سيد قطب

1240

في ظلال القرآن

وإن الدين عند اللّه هو المنهج والشرع . . ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج اللّه منهجا ، وغير شريعة اللّه شرعا . . الأمر هكذا جملة . وللنظرة الأولى . بدون دخول في التفصيلات ! وأمر هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعا ، وبرئ منهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بحكم من اللّه تعالى . . أمرهم بعد ذلك إلى اللّه ؛ وهو محاسبهم على ما كانوا يفعلون : « إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ » . . وبمناسبة الحساب والجزاء قرر اللّه سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده . فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن - فليس مع الكفر من حسنة ! - فله عشر أمثالها . ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ؛ لا يظلم ربك أحدا ولا يبخسه حقه : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها . وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » . . وفي ختام السورة - وختام الحديث الطويل عن قضية التشريع والحاكمية - تجيء التسبيحة الندية الرخية ، في إيقاع حبيب إلى النفس قريب ؛ وفي تقرير كذلك حاسم فاصل . . ويتكرر الإيقاع الموحي في كل آية : « قل » . . « قل » . . « قل » . . ويلمس في كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة في مكان التوحيد . . توحيد الصراط والملة . توحيد المتجه والحركة . توحيد الإله والرب . توحيد العبودية والعبادة . . مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته . « قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين . لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين . قل : أغير اللّه أبغي ربا ، وهو رب كل شيء ، ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم . إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم » . . هذا التعقيب كله ، الذي يؤلف مع مطلع السورة لحنا رائعا باهرا متناسقا ، هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار ، وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع ، تزعم أنها من شرع اللّه افتراء على اللّه . . فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب ؟ إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد . . « قُلْ : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . . إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر ، ويشي بالثقة ، ويفيض باليقين . . اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية ، والثقة بالصلة الهادية . . صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية . . والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم ، الذي لا التواء فيه ولا عوج : « دينا قيما » . . وهو دين اللّه القديم منذ إبراهيم . أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب : « ملة إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين » . « قُلْ : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ . وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ » . . إنه التجرد الكامل للّه ، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة . بالصلاة والاعتكاف . وبالمحيا والممات . بالشعائر التعبدية ، وبالحياة الواقعية ، وبالممات وما وراءه .